الشيخ محمد رشيد رضا

447

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بطلان الاخذ بالكشف في الدين وأما الكشف فهو ضرب من إدراك - النفس الناطقة غير ثابت ولا مطرد فليس بدليل عقلي ولا شرعي ، وانما هو ادراكات ناقصة تخطئ وتصيب ، وقد عرفت أسبابه الطبيعية وأن منها ما هو فطري ، ومنها ما هو كسبي وصناعي ، كالتنويم المغناطيسي المعروف في هذا العصر ، وما يسمونه قراءة الأفكار ومراسلة الأفكار ، ويشبهونه بنقل الأخبار بخطوط الاسلاك الكهربائية وبدونها ، وهو يقع للمؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، ويعترف به صوفية المسلمين لصوفية الهندوس وغيرهم ، كما يعترفون بتلبيس الشياطين عليهم فيه ، وقلة من يميز بين الكشف الشيطاني والكشف الحقيقي منهم ، ولا يصح أن يسمى حقيقيا الا ما وافق نصا قطعيا ومن دلائل الخطأ والتلبيس والتخيلات في الكشف الذي يسمونه النوراني تعارض أهله وتناقضهم فيه ، وما يذكرونه فيه من معلوماتهم المختلفة باختلاف معلوماتهم الفنية والخرافية والشرعية ، فترى بعضهم يذكر في كشفه جبل قاف المحيط بالأرض والحية المحيطة به كما تراه في ترجمة الشعراني للشيخ أبي مدين وهو من الخرافات التي لا حقيقة لها ، ومنهم من يذكر في كشفه الأفلاك وكواكبها على الطريقة اليونانية الباطلة أيضا . وأكثرهم يذكرون في كشفهم الأحاديث الموضوعة ، فان اعترض عليهم أو على المفتونين بكشفهم علماء الحديث قالوا إن الحديث قد صح في كشفنا وان لم يصح في رواياتكم ، وكشفنا أصح لأنه من علم اليقين وعلمكم ظني . والحاصل ان كشفا هذا شأنه وشأن أهله إن صح ان يصدق فيما لا يخالف نصوص الشرع وعقائده وأحكامه فلا يصح لمن يؤمن بكتاب اللّه وسنة رسوله ان يصدق منه ما يخالفهما وان يثبت من أمر عالم الغيب ما لم يثبت بهما ، وما أغنانا عن هذا كله ، وفي جمع الجوامع أن الالهام - وهو الكشف الصحيح عندهم « ليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره خلافا لبعض الصوفية » أي ولا يعتد بخلافهم لأنهم خالفوا به الأصول كما خالفوا النصوص .